روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
412
عرائس البيان في حقائق القرآن
والحسد وحب الدنيا بقوله : وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا ، ووصفهم بالسخاوة بقوله : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ : بيّن في الآيتين شرف المقامين من الفقر والغنى ، الذين هم مقام أمناء اللّه الذين لم يبق في قلوبهم من حبّ الدنيا ومالها وجاهها ذرة ، وهم الموصوفون في آخر الآية بقوله سبحانه وتعالى : وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي : من صار حبيبه مقدّسا من حرص نفسه ظفر برؤية ربه . قال سهل : حرص نفسه على شيء ، هو غير اللّه والذكر له ، فأولئك هم الباقون مع من أحيى بحياته . سئل أبو الحسن البوشنجي عن الفتوة ؟ قال : الفتوة عندي ما وصف اللّه به الأنصار من قوله : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ . قال ابن عطاء : يؤثرون به جودا وكرما . وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ : يعني جوعا وفقرا « 1 » . وقال الحسين : من رأى لنفسه ملكا لا يصح له الإيثار ؛ لأنه يرى نفسه أحقّ بالشيء برؤية ملكه ، إنما الإيثار لمن يرى الأشياء للحق ، فمن وصل إليه فهو أحقّ به ، فإذا وصل شيء من ذلك إليه يرى نفسه ويده فيه يد غصب ، أو يد أمانة يوصلها إلى صاحبها ، ويؤديها إليه . سئل سهل عن شرائع الإسلام ؟ فقال : وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ . نعمّ ما قال الشيخ : ما أتاكم الرسول من خبر الغيب ومكاشفة الرب ، فخذوه باليقين ، وما نهاكم عنه من النظر إلى غير اللّه ، فانتهوا . [ سورة الحشر ( 59 ) : آية 13 ] لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 13 ) قوله تعالى : لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ : وصف اللّه المؤمنين بإسالة
--> ( 1 ) تقول العرب : فلان مخصوص إذا كان فقيرا ، فيؤثرون رضا اللّه على هواهم ، والإيثار شاهد الحب . وقد حكي عن وهيب بن الورد أنه قال : يقول اللّه : « وعزتي وعظمتي وجلالي ، ما من عبد آثر هواي على هواه إلا قللت همومه وجمعت عليه ضيعته ، ونزعت الفقر من قلبه ، وجعلت الغنى بين عينيه ، واتجرت له من وراء كل تاجر ، وعزتي وجلالي ، ما من عبد آثر هواه على هواي إلا كثرت همومه ، وفرقت عليه ضيعته ، ونزعت الغنى من قلبه ، وجعلت الفقر بين عينيه ، ثم لا أبالي في أي واد هلك » . تفسير التستري ( 2 / 136 ) .